صديق الحسيني القنوجي البخاري
568
فتح البيان في مقاصد القرآن
فلسطين ، وقد روى النبي صلى اللّه عليه وسلم في فضل الشام أحاديث ليس هذا موضع ذكرها . وَتَمَّتْ أي مضت واستمرت على التمام كَلِمَتُ رَبِّكَ هي قوله تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [ القصص : 5 ] وهذا وعد من اللّه سبحانه بالنصر والظفر بالأعداء والاستيلاء على أملاكهم فتمامه مجاز عن إنجازه ، و الْحُسْنى صفة للكلمة وهي تأنيث الأحسن عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا أي تمام هذه الكلمة عليهم بسبب صبرهم على ما أصيبوا به من فرعون وقومه ، وقال مجاهد : تمام الكلمة ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين اللّه لهم في الأرض وإهلاك عدوهم وما ورثهم منها . وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ التدمير الإهلاك أي أهلكنا ما كانوا يصنعون في أرض مصر من العمارات وبناء القصور . وفيه أربعة أوجه من الإعراب ، ذكرها السمين وَما كانُوا يَعْرِشُونَ من الجنات والثمار والأعناب ، قاله الحسن . ومنه قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ [ الأنعام : 141 ] وقيل يسقفون من ذلك البنيان ، وقيل المعنى ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء . يقال عرش يعرش أي بنى يبني . قال مجاهد : ما كانوا يبنون من البيوت والقصور ، وهذا آخر قصة فرعون وقومه . وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ هذا شروع في بيان ما فعله بنو إسرائيل بعد الفراغ مما فعله فرعون وقومه ، ومعنى جاوزنا جزناه بهم وقطعنا ، يقال جاز الوادي وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره وهو كقوله : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [ البقرة : 50 ] قال الكلبي : عبر موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه شكرا للّه تعالى . فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ يقال عكف يعكف ويعكف بالضم والكسر بمعنى أقام على الشيء ولزمه ، والمصدر منهما عكوف ، قيل هؤلاء القوم الذي أتاهم بنو إسرائيل هم من لخم وجذام كانوا نازلين بالرقة يعني ساحل البحر كانت أصنامهم تماثيل بقر من نحاس ، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر ، فذلك كان أول شأن العجل لتكون للّه عليهم الحجة فينتقم منهم بعد ذلك . وقيل كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم . قالُوا أي بنو إسرائيل عند مشاهدتهم لتلك التماثيل يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أي صنما نعبده كائنا كالذي لهؤلاء القوم ، قال البغوي : لم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في توحيد اللّه وإنما المعنى اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى اللّه ، وظنوا أن ذلك لا يضر ، وفيه بعد وقيل : إنهم توهموا أنه يجوز عبادة غير اللّه فحملهم جهلهم على ما قالوا ، قال الكرخي : وعلى كل فالقائل للقول المذكور